12‏/02‏/2011

عندما قامت فى مصر ثورتان !

الله أكبر الله أكبر الله أكبر .. الله أكبر من كل سلطان .. الله فوق كل طاغية .. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا .

لا أكاد أصدق نفسى ... تاهت الفواصل بين الواقع والخيال ! .. سبحانك ربى لك فى خلقك شؤون ، لقد كان مجرى الحياة الطبيعية فى مصر متوقفا لسنين ، وإذ بأمواجه فى العشرين يوما الماضية تهدر بالعجائب والغرائب .... صدقونى لا أبالغ إن قلت أن هذه الثورة ذات العشرين يوما قلبت مسار تاريخ المنطقة العربية والإسلامية كلها بل والعالم ! .

من يصدق أن المشهد الراكد المتعفن فى الحياة المصرية سوف يشهد ثورتين ليس لهما مثيل ، إحداهما فى تلقائيتها وروعتها ونقائها و بساطتها وقوتها الناعمة ، والثانية فى إحكام إعدادها و تعقيداتها وقذارتها وحقارة من خططوا لها ومن قاموا بتنفيذها و من استخدموا قوتهم الباطشة لإنجاحها .

وشاء العلي العظيم أن تنتصر الأولى بفضله وكرمه نصرا مؤزرا رغم عدم وجود قيادة لها ورغم التلقائية الغريبة والفجائية المذهلة التى ظهرت فيها ، وشاء سبحانه وتعالى أن تنخذل الثانية انخذالا مدمرا ، وأن تكون عبرة لكل ظالم وكل طاغية فاسد النفس و شيطاني العقلية ، لكي يكون الحدث ككل شاهدا على مصداقية قوله تعالى : ويمكرون ويمكرُ الله والله خير الماكرين .

......... تريدون مزيدا من الإيضاح ؟؟؟ .. بالطبع ، ولكن لابد من خطوات قليلة إلى الوراء لكي نفهم ما حدث .

لقد استيقظ العالم  ، وبالأخص الركن العربي منه فى شهر يناير 2011 على وقع زلزال عنيف ومفاجئ وغير مسبوق - فى منطقتنا على الأقل -  ، وهو هروب طاغية تونس المتكبر المتجبر زين الهاربين بن على محتميا برفاقه فى الطغيان والفساد حكام السعودية ، الذين وفروا له الملاذ الآمن من شعبه الثائر الذى فاض به الكيل نتيجة استبداده وقمعه للحريات و تحويله الكثير من المناطق الداخلية إلى مناطق مهمشة من كاقة النواحي واستبداد أسرته وأصهاره بالسياسة والاقتصاد فى تونس و ..و ... و ..الخ ـ وفوجئ العالم بثبات وبسالة الشعب التونسى الذى صمد رغم إجرام أجهزة الأمن ( الفزع ) التونسية وانتهاكها كل المحرمات لقمع الثورة التى كان حرق المظلوم المهان محمد البوعزيزى لنفسه شرارتها والقشة التى قصمت ظهر النظام التونسي .

وأصبح النموذج التونسى مصدر إلهام وفخر وغبطة للعالم كله ومنه مصر ، لكننا جميعا فى الداخل والخارج أطلقنا الحكم النهائى بأنه ( مفيش فايدة منا ) وأن ( تونس فيها رجالة ، لكن احنا خـ ..... خنوعين ) وأن ( الشعب المصري ده أوسخ شعب فى العالم ) و أن ( مصر زي السفينة اللى بتغرق ولازم ننط منها جميعا ! ) ..... الخ ما يملكه قاموس السلبية والكآبة واليأس وأنيميا الإيمان من جمل وكلمات .

ولكن يشاء القدر أن يقترح بعض المتحمسين من شباب مصر المخلص أن نقوم بمظاهرات ومسيرات سلمية احتجاجية فى يوم 25 يناير ، فى ذكرى عيد الشرطة ، وتكون هذه التحركات تعبيرا عن ضيقنا من الأوضاع القائمة و تجبر وزارة الداخلية وأجهزتها علىنا و ..و ...الخ ، ولم يخطر ببال أكبر المتحمسين والحالمين والخياليين أن يستجيب أكثر من مائة ألف مصرى وينزلون للشارع فى يوم الثلاثاء المجيد 25 يناير منهم 50 ألفا فى ميدان التحرير فى قلب القاهرة ! ، وأن يكون هذا إرهاصا بقيام ثورة من أرقى وأجمل وأروع وأهم الثورات فى تاريخ الإنسانية ... ولم يدُم صبر نظام القمع طويلا واشتبك مع الناس لفض جموعهم فقتل منهم وجرح واختطف ، خاصة فى مدينة السويس التى ألهبتها دماء الشهداء وفجرت روح التحدى والمقاومة الأكتوبرية فى أبنائها فنزلوا إلى الشوارع وواجهوا عصابات الفزع المركزي والشرطة السرية و ...و ... الخ بكل شجاعة وبسالة ، فدفعت أحداث الثلاثاء إلى إعلان بعض نشطاء الفيسبوك عن جعل الجمعة التالية 28 يناير يوما للغضب على ما حدث ، وخلال اليومين السابقين عليها استمرت المواجهة خاصة فى السويس ، وواصلت وزارة الداخلية حربها الضروس على الشعب المصرى ، وأعلنت القوى السياسية التحاقها بركب الثورة التى هلت بشائرها ..... وجاءت جمعة الغضب ! .

اندفعت جموع المصريين من المساجد فى كافة أنحاء مصر ، فى مشهد عبقري ، لم يفسده قطع النظام المتخبط للاتصالات المحمولة وشبكة الانترنت منذ صباح الجمعة ، بل على العكس ! .... لقد زاد المشهد التهابا ووفر للكثير من الشباب الوقت والفضول لمعرفة ما يحدث ، فالتهبت شوارع مصر بأكثر من 6 ملايين من المتظاهرين ينادون بسقوط النظام الغاشم كله والحزب الحاكم المستبد المزور ، ولم يفلح الدعس و الحرق والترويع والرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع ....الخ فى ردع المتظاهرين عن هدفهم ، وسقط الشهداء والمصابون بالمئات ،  فكانت النتيجة أن خلع الشعب المصرى رداء الخضوع والخوف والاستهانة وأظهر معدنه النفيس ، وواجه عصابات الداخلية المجرمة ، فلم تغرب شمس هذا اليوم إلا وقد كسرت ذراع النظام المصري الملعونة الباطشة ، وسيطر المتظاهرون على الشارع المصري ، ورقدت على رأس كل شارع وفى كل ميدان مدرعة محروقة لقوات الفزع المركزي خاصة فى القاهرة والأسكندرية اللتين شهدتا قمة ما وصلت إليه الداخلية من إجرام ، وأحرقت الجموع الغاضبة المقر العام لتجمع السلابين والنهابين والمزورين وأرباب النصب والإجرام " الحزب الوطنى الديموقراطى " فى ميدان التحرير بالقاهرة .

وكانت الحصيلة لهذا اليوم هي استشهاد المئات من أبناء مصر الذين خرجوا ينادون بالحق ، وتدمير معظم أقسام الشرطة خاصة فى القاهرة و الأسكندرية ، وكذلك بعض مقار المحافظات ومديريات الأمن ومقرات فزع ( أمن ) الدولة ...الخ ، واضطر النظام المصدوم إلى استدعاء الجيش المصري ليضبط الأوضاع ويعيد للدولة سيطرتها .

وانتظر الجميع خطابا للرئيس مبارك ، فجاء بعد طول تأخير وبعد منتصف الليل مخيبا للآمال .... فقد فهم - أو أفهم نفسه - أن الهتاف الرئيس للمتظاهرين : الشعب يريد إسقاط النظام ، معناه إسقاط الحكومة التى ملـَّــكها رقاب الناس سنينا !

عامة مايهمنا هنا أن جمعة الغضب أكدت بما لايدع مجالا للشك أن ما يحدث هو ثورة شعبية مصرية ، وأكد الأسبوعان التاليان هذا ، خصوصا وقد توجا بجمعة الحسم التى أعلن رسميا بعدها تنحى مبارك وانتهاء عصره وعصر لصوص الحزب الوطنى وترحيله إلى مزبلة التاريخ .

ولكن هل يسكت طيور الظلام ؟؟؟؟ وهل تخضع منظمة الفساد المالى والسياسى والثقافى والأمنى بدون مقاومة ؟؟ بالطبع لا ... فقد أعلنوا ثورتهم المضادة والتى جهزوا سيناريوهاتها من قديم رغم اقتناعهم بأنه لن يأتى اليوم الذى يحتاجون فيه إليها ، فـ ( الشعب تحت السيطرة ) و ( سياسات تقزيم مصر و تدجين شعبها ماشية تمام التمام ) و ( كل قيادة أو تنظيم أو حزب يظهر أية علامة معارضة حقيقية للنظام يتم إرساله فورا فى بعثة إجرامية إلى ورا الشمس ) ...... ولكن أتى هذا اليوم المشئوم - لهم - ، والميمون لمصر وشعبها ، ولابد من وضع الخطط قيد التنفيذ .

قررت الداخلية الانتقام من الشعب ، وإذهاله عن الثورة ، وكل ذلك وفق خطة مدروسة ، فسحبت كل المتسبين لها من كاافة أنحاء البلاد حتى من ليس لهم علاقة بالصراع مع النظام ، مثل المرور وحراسات المولات التجارية ...الخ ، بالتزامن مع فتح بعض السجون وإخراج المساجين وتسليحهم ، وحرق بعض المبانى الهامة ومنها بعض مقار الشرطة والأمن !! والمولات التجارية ..الخ ، وبث الإشاعات عبر الإعلام الرسمي بأن البلد دخلت فى حالة عارمة من الفوضى والسلب والنهب ، وكل ذلك لإرسال رسالة إلى الشعب المصرى مفادها : ( ماتتطمعش يا حلو ، وكان أحسن لك ترى بالاستقرار والأمن " الزائفين " الذين نوفرهما لك ، ولا تطلب المزيد مثل الحرية والديموقراطية والكرامة والكلام الفارغ ده ) وبالفعل سرت حالة من التوتر والفزع فى صفوف المصريين وهرعوا إلى الشوارع ولكن بالليل لحراسة منازلهم وأماكن أكل عيشهم من بلطجية منتظرون ، وأشاع عناصر الثورة المضادة الشائعات المفزعة بين الناس ، وذلك لتهرهيبهم إلى الحد الأقصى ، ولنزع فكرة الثورة من عقولهم وتسهيرهم حتى الصباح فى الشوارع ، فلا يقوون على مواصلة الاحتجاجات بالنهار ، ولتتسرب إلى نفوسهم فكرة أن المظاهرات ( خربتها ) و ( إن اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفوش ) و ( إن الطمع يقل ما جمع !!! ) .
وللأسف نجحت هذه الثورة المضادة نسبيا ، خاصة بعد خطاب مبارك الثانى الذى أعده كما يبدو ، خبراء نفسيون وأمنيون مجرمون يدرسون الشعب المصري جيدا وبعرفون نقاط ضعفه أكترمن نفسه ، وبالفعل انخدع الكثيرين باللا منطق وببعض الجمل العاطفية التى احتواها الخطاب ، وكاد الشارع  أن ينقلب تماما على الثورة ، لكن تهور الثورة المضادة جعل تدميرها فى تدبيرها ، وذهبت الجهود السابقة لهم أدراج الرياح تحت سنابك الخيل والجمال التى هاجموا بها المعتصمون الثائرون فى ميدان التحرير لمحاولة القضاء على آخر معاقل الثورة فى ذلك الوقت ، و يشاء الله سبحانه وتعالى أن ينتصر الثوار رغم الـ 2000 إصابة وعشرات الشهداء ، وأن يفيق الشعب على صدمة أن الألاعيب القذرة مازالت رائجة السوق فى مصر ، فبدأ الشعب المصرى يعرف أنه لا سبيل إلا مواصلة الطريق الذى بدأه ، وبدأ اعتصام التحرير فى الاتساع ، وعادت شوارع مصر تلتهب بالمحتجين من جديد ، حتى أعلن عن تنحي مبارك بينما الملايين الغاضبة تهتف ضده وضد نظامه فى كافة أنحاء مصر .

وهكذا انتصرت ثورة الحق على ثورة الباطل ، وأبى الله إلا أن يتم نوره رغم أنف المبطلين .
وفي هذا عبرة ، بأنه مهما كان التدبير محكما ومدروسا ومتقنا وشيطانيا ، فإنه يكون هباء منثورا إذا شاء الله ذلك ، وقد يحوله الله إلى تدمير عاجل لمدبره ، فكل ما فعلته الثورة المضادة وإن أحدث نجاحا أوليا ، انقلب عليها .
فاللجان الشعبية - على عكس ما أرادوا - أكسبت شعب مصر ثقة فى نفسه وإحساسا بأنه يستطيع أن يدير البلد ويحميها من غدر الداخلية ، خاصة وقد بلغ الإجرام بالداخلية أن سربت بعض عناصرها الإجرامية و بلطجيتها لإحداث الفوضى المصطنعة . وتم القبض علي بعضهم بالتعاون مع الجيش .
وخطة ترهيب معتصمى التحرير ، باءت بالفشل و حولت الرأي العام مع الثورة من جديد بعد أن فطن الجميع إلى أن وعود النظام الوردية خادعة وزائفة وأنه لايتورع عن ذبحنا للبقاء فى السلطة .
وخطابات الرئيس - أهم عناصر الثورة المضادة فى رأيى - كلها أثبتت أن التوقيت عنده متأخر لأيام ، وهذا التأخير أفقدها قوتها وفاعليتها ، وكما أن عناد الرئيس ومماطلته فى تنفيذ المطالب الشعبية والذى كان هدفه إملال الشعب المصري لكي يفقد الأمل فى الثورة ، قد زاد الناس عنادا ، وقوى تلاحمهم وتوحدهم حول هدفهم . 

وختاما .. أبارك لشعب مصر على نجاح ثورة الحق ، ولله الحمد من قبل ومن بعد .

هناك تعليقان (2):

Diaa Swahly يقول...

ممتاز يا أبو صلاح ... متفق معاك جدا

Khaled Selim يقول...

الحمد لله