15‏/02‏/2011

المخطوفون !

غريبة يا مصر ... يا أرض العـَــجـَــبْ !! ... يا مهد الطرائفْ ..... يا أغرب بلدْ !   ( مع اعتذارى لوديع الصافى )

كعادة مصرنا الحبيبة على مدار تاريخها ، واعتيادها على إدهاش القاصى والدانى على مر الزمان بأحداثها الغريبة و الغير متوقعة بالمرة والتى أحيانا ما تثير الضحك حتى الاستلقاء على الأرض ، وأحيانا ما تثير ضحكا كالبكا بالكوميديا السوداء .

ولذا فعندما تحدث فى مصر ثورة - وهذا فى حد ذاته حدثا غريبا عجيبا عن طبيعة راسخة فى شعب مصر -  فمن الطبيعى جدا جدا أن تكون أغرب ثورة فى التاريخ الإنسانى ، وهذا ليس مبالغة منى أبدا - مع أننى أعشق المبالغة - ، لكنه الحقيقة .

هل بإمكان أحدكم أن يأتى لى من التاريخ بثورة تجمع الخصائص التالية  - وهي جزء من كل - ؟ :

( تلقائية غريبة - فجائية مستفزة - بدون أي شكل من أشكال القيادة الحقيقية والمنظمة - نصف العالم كانوا يعرفون موعد قيامها - لم يكن أحد يتصور أن ما يحدث هو ثورة .. لا النظام الحاكم ولا جميع مخابرات العالم ولا إبليس اللعين و لا جميع السحرة والمشعوذين والكهان وغزاة الفضاء والجن الأزرق فى المجرة ولا حتى من قاموا بالثورة كانوا يعرفون أنها ثورة ! - ثلاث أرباع المشاركين في أهم يوم فيها كانوا نازلين يتفرجوا أو زهقوا من القعدة فى البيت لما النت قطع ! أو دفعهم الفضول لما لقوا الحكومة واخداها جد أوى وبتقطع النت والاتصالات ومنزلة قوات الأمن بكامل جاهزيتها فى الشارع !  -  يفشل حوالى مليون عنصر أمنى نسبتهم واحد إلى 8 مع الثائرين ومعهم أوامر مفتوحة باستخدام معظم وسائل قمع التجمعات ، فى الوقوف أكتر من 3 ساعات أمام ثورة شعب لم يثر فى التاريخ كله إلا مرات تتعد على أصابع اليد الواحدة - تم تجريب كل وسائل إفساد الثورات التى توصل لها الإنس والجن ومع ذلك فشلت كلها بل إن بعضها أعطى نتائج عكسية وأشعل الثورة أكثر فأكثر ! والمفاجأة أن أغلب الشعب الثائر جاهل سياسيا !! ......... )

إلا أن أغرب ما فى ثورة مصر هي ظاهرة : المخطوفين !

أكاد أجزم أن 70% من الشعب المصري لا يدرون ما الذى حدث على وجه التحديد فى الفترة من 25 يناير إلى 11 فبراير !!

هما لقيوا ناس نازلة فى الشارع بتسب فى الحكومة والريس وفجأة عددهم زاد والأمن شبك فيهم ، وحصل ضرب وضحايا ، وفجأة  التلفزيون المصرى بيولول وبيقول إن فيه حالة فوضى وسلب ونهب فى مصر وإن وزارة الداخلية اختفت !! ،  فنزلوا يحموا بيوتهم ومحلاتهم من البلطجية اللى بيستغلوا الفرصة بالليل ، ولما صحيوا بالنهار لاقوا نفس الناس رجعت تهتف تانى وتسب فى النظام ولقوا دبابات الجيش مالية الشارع ! .....ايه ده !!  السيد الرئيس القائد طلع يتنازل ويوعد بإصلاحات ، ودول مصرين يعاندوا وينزلوا الشارع ويسبوا فى الراجل الطيب ويقولوه ارحل ! .. عالم طماعة !! ... واحتلوا ميدان التحرير .... هوبااااااااااا ايه ده !! عدد بتوع التحرير 2 مليون ... هوبااااااا  جمال و حمير ورصاص حي بيهاجمهم .... هوبااااااااا ده فيه ضحايا ..... هوبااااا أوباما بيقول لازم مبارك يمشى ! ..... هوباااااااا جمعة الرحيل .. أحد الشهداء .. فتنة .... ثلاثاء المليونية ... ثورة ... شباب 25 يناير ..... تامر بتاع غمرة ..... تامر حسنى انضرب فى التحرير ..... أجندات أجنبية ..... بيوزعوا كنتاكى و50 يورو فى التحرير ..... الجزيرة ما صدقت لقيت جنازة وبتشبع فيها لطم .....مؤامرة إيران وحزب الله وحماس و الاتحاد الأوروبى وأمريكا و الدولة العباسية على حكم مبارك ...... القبض على حبيب العادلى وبعض الوزراء  هييييييييييييييييييه ....... الإخوان ما بقوش محظورة وطلعوا فى التلفزيون المصرى !! ..... لجنة الحكماء ...... العيال بتوع المظاهرات مدربين فى تل أبيب  ومندسين ..... أبطال 25 يناير غيروا التاريخ !! ..... دم الشهداء لن يذهب هدرا ...... الريس هيتنحى !! ... هو فيه زعيم بيتنحى ؟؟؟؟ .... بيان عسكرى رقم 1 .... رقم 2 ..... جمعة الحسم ... جمعة التحدى .... جمعة الزحف ...... الريس اتنحى !!  ....... بيان رقم 3 - 4 - 5  هو في ايييييييييييييييييييييييييييييييييه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

هؤلاء المخطوفون فى قلب الثورة  يمثلون شرائح عديدة ومتناقضة ، فمنهم الغارقون بامتياز فى دوامة لقمة العيش ، ومنهم المستريحون ماديا ( بغباء ) - اللهم لا حسد -  ، ومنهم أميون لا يعرفون كتابة أسمائهم ، ومنهم أساتذة جامعة مرموقون ......... لكن يجمع بين الجميع إحدى 3 خصال أو كلها :

1- انعدام أو أنيميا حادة فى الوعي السياسي والثقافة العامة .

2- الاعتقاد الجازم بأن السياسة رجس من عمل الشيطان وأن وظيفتها فى الحياة إرسال الناس إلى " ورا الشمس " .

3- انغماس غريب ومريب فى تفاصيل حياتهم اليومية وعدم محاولة تغيير روتين حياتهم إلا مرة كل قرنين .

والكارثة الكبرى أنهم يمثلون فعلا الأغلبية من المجتمع المصرى !

نحن مقبلون على حراك سياسى  و اقتصادى واجتماعى وثقافى غير مسبوق فى التاريخ المصرى منذ أن عرف البشر الكتابة ، وشهدت بلادنا ثورة ليس لها مثيل من كافة النواحى ، ومع ذلك فأغلب شعبنا ليس لديه خطة أو فكر بخصوص ما سيفعله فى الآتى ، بل إن الأغلبية منه لا تدرى معنى حراك ! ..... هذا مدمر فعلا ... فهذه الأغلبية الصامتة قد تـُـسَـيَّـر فى عهد الديموقراطية والانتخاب بأفكار مجموعات شيطانية إلى اتجاهات لا تخدم مصلحة مصر أبدا ، وقد يتمكن أباطرة الحزب الوطنى البائد من العودة باسم الديموقراطية إلى نفوذهم مستخدمين قوة رأس المال وخداع المصوِّتين فى المناطق الشعبية والريف على وجه الخصوص ، بواسطة الرشاوي الانتخابية أو الوعود بتوظيف أبنائهم ..... فالجهل السياسى الفظيع عندنا جعل وظيفة عضو مجلس الشعب أو الشورى فى أذهان البسطاء ، أن يقوم بتوظيف الأبناء أو تخليص المصالح أو الوساطة أو ...... بالإضافة إلى وظيفة هامة خاصة بالعضو نفسه ، وهو امتلاك النفوذ والحصانة الممكنة له من التكبر على عامة الناس و تغطية أنشطة النصب والنهب وإهدار المال العام والخاص التى يقوم بها !


أما فى البلاد المحترمة ، فعضو المجالس النيابية له وظيفتان أساسيتان لا ثالث لهما .. تشريع القوانين وتعديلها بما يناسب مصالح الشعب الحياتية ، والرقابة على الإجهزة التنفيذية كالوزارات  والهيئات والمصالح ، لضمان التزامها بخدمة الناس على أكمل وجه !


فتبا لهذا التفاوت بين فكرنا السياسي الضئيل الناجم عن تجهيل متعمد فى وسائل التعليم والإعلام ، وبين ما ينبغى أن نكون عليه بإذن الله للنهوض بالبلد .


مخاوفى لاحد لها من الأغلبية الصامتة التى لاتفهم ما يدور بالبلد فعلا ، وهاهي الأغلبية الصامتة تواصل إتحافنا بالمزيد من المشاكل والقلاقل .... فبمجرد تنحى مبارك ، انفجرت حمى التظاهر والاعتصام والإضراب فى صفوفها على اختلاف أماكن العمل !! .. الكل يريد زيادة مرتبه وتوظيف أبنائه و .. و ... و .... الخ ، وكل هذا المفروض أن يحدث الآن وفورا وبضغطة زر ! ..... مش العيال المتظاهرين شالوا الزعيم القائد بالمظاهرات فى 18 يوم بس ! ... يبقى المفروض نزود احنا فلوسنا ونحل كل مشاكلنا فى ساعتين !!


هذه الأغلبية الصامتة - للأسف الشديد - ينطبق عليها مقولة : يتبعون كل ناعق ، هؤلاء صدقوا إشاعات الكنتاكى ، والبارجات الأمريكية فى قناة السويس ، والقناصة الاسرائيليون على سطح مجمع التحرير ، والمؤامرة العالمية الكونية الشاملة قلب نظام الرئيس مبارك ، وصدقوا أيضا أن الثورة المصرية رائعة عندما غيرت الصحف القومية والتلفزيون المصرى آراءها ! .. وأن شباب 25 يناير أشرف شباب الدنيا .....الخ ، إن أكثرهم مع الصوت الأعلى لعدم وجود الرؤية الواضحة والفكر المستقل لغالبيتهم .


أتمنى أن تكون فكرتى قد اتضحت .... وأتمنى من كل مثقف أو من يمتلك الحد الكافى من الثقافة لمجابهة الحراك القادم ، أن يبحث عن ( المخطوفين ) فى الدائرة المحيطة به فى الدراسة أو البيت أو العمل أو الجيران ...الخ ، ويبدأ فى القيام بدوره فى توعيتهم وزيادة حصيلتهم الثقافية خاصة فى الشأن السياسي والاقتصادى و .. و .. الخ على قدر الاستطاعة ، وبالطبع لابد أن يكون للجمعيات الخيرية والأحزاب و النقابات والنوادى .... الخ دورا محوريا فى هذا الجانب .


ولابد أن نتذكر جيدا أنه فى ظل الديموقراطية ، فسيكون الصوت الانتخابى لعالم فى الفيزياء النووية = الصوت الانتخابى لعامل نظافة بسيط غير متعلم = الصوت الانتخابى لطالب فى ليسانس آداب = الصوت الانتخابى لطالب فى ثالثة صنايع = 1 


اللهم ارزقنا جميعا الوعي والحكمة والعقل ، وأعنا على النهوض بمصرنا إلى المكانة التى تستحقها .


هناك 3 تعليقات:

elnasherty يقول...

ما اثرالمخطوفين عندنا فى البلد بس المشكله اننا حكلمهم ازاى اقله تعالا يا مخطوف بص فى كذا وكذا
ولاا ايه دول بالعكس هما اللى اثرو عليا وقت الثوره

aboo_sala7 يقول...

لازم نبذل أقصى جهودنا - بإذن الله - معاهم ولا نيأس

بالأخص القريبين منا وأصدقائنا وأسرنا وعائلاتنا

التوعية السياسية والتثقيف حاليا تعتبر أولوية قصوى

غير معرف يقول...

Gamela as always